فخر الدين الرازي

385

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كإحاطة الدائرة بما في داخلها فينالهم من كل وجه وذلك مبالغة في الوعد كقوله : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [ الكهف : 42 ] ثم قال : وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ . فإن قيل : وقع التكرير في هذه الآية من ثلاثة أوجه لأنه قال أولا وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ثم قال : أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ وهذا عين الأول . ثم قال : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وهذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : إن فيه وجوها : الوجه الأول : أن القوم كانوا مصرين على ذلك العمل فاحتج في المنع منه إلى المبالغة والتأكيد ، والتكرير يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام . والوجه الثاني : أن قوله : وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ نهي عن التنقيص وقوله : أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أمر بإيفاء العدل ، والنهي عن ضد الشيء مغاير للأمر به ، وليس لقائل أن يقول : النهي عن ضد الشيء أمر به ، فكان التكرير لازما من هذا الوجه ، لأنا نقول : الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى جمع بين الأمر والشيء ، وبين النهي عن ضده للمبالغة ، كما تقول : صل قرابتك ولا تقطعهم ، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد . الثاني : أن نقول لا نسلم أن الأمر كما ذكرتم لأنه يجوز أن ينهى عن التنقيص وينهى أيضا عن أصل المعاملة ، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر بإيفاء الحق ، ليدل ذلك على أنه تعالى لم يمنع عن المعاملات ولم ينه عن المبايعات ، وإنما منع من التطفيف ، وذلك لأن طائفة من الناس يقولون إن المبايعات لا تنفك عن التطفيف ومنع الحقوق فكانت المبايعات محرمة بالكلية ، فلأجل إبطال هذا الخيال ، منع تعالى في الآية الأولى من التطفيف وفي الآية الأخرى أمر بالإيفاء ، وأما قوله ثالثا : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ فليس بتكرير لأنه تعالى خص المنع في الآية السابقة بالنقصان في المكيال والميزان . ثم إنه تعالى عم الحكم في جميع الأشياء فظهر بهذا البيان أنها غير مكررة ، بل في كل وأحد منها فائدة زائدة . والوجه الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى : وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ وفي الثانية قال : أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ والإيفاء عبارة عن الإتيان به على سبيل الكمال والتمام ، ولا يحصل ذلك إلا إذا أعطى قدرا زائدا على الحق ، ولهذا المعنى قال الفقهاء : إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من أجزاء الرأس . فالحاصل : أنه تعالى في الآية الأولى نهى عن النقصان ، وفي الآية الثانية أمر بإعطاء قدر من الزيادة ولا يحصل الجزم واليقين بأداء الواجب / إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة فكأنه تعالى نهى أولا عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصا لتحصل له تلك الزيادة ، وفي الثاني أمر بالسعي في تنقيص مال نفسه ليخرج باليقين عن العهدة وقوله : بِالْقِسْطِ يعني بالعدل ومعناه الأمر بإيفاء الحق بحيث يحصل معه اليقين بالخروج عن العهدة فالأمر بإيتاء الزيادة على ذلك غير حاصل . ثم قال : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ والبخس هو النقص في كل الأشياء ، وقد ذكرنا أن الآية الأولى دلت على المنع من النقص في المكيال والميزان ، وهذه الآية دلت على المنع من النقص في كل الأشياء . ثم قال : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . فإن قيل : العثو الفساد التام فقوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ جار مجرى أن يقال : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين .